إنشقاقات الإسلاميين .. بين الخروج على الفكرة والخروج على التنظيم

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 16 مايو 2019 - 6:01 مساءً
إنشقاقات الإسلاميين .. بين الخروج على الفكرة والخروج على التنظيم

إنشقاقات الإسلاميين .. بين الخروج على الفكرة والخروج على التنظيم

 عماد علي

يمثل الدين عمومًا ركيزة أساسية لدى المجتمعات؛ فهو وإن غاب تأثيره لأسباب مختلفة في بعض جوانب الحياة داخل مجتمعات معينة إلّا أنه يظل في النهاية أحد مكونات الإنسان الروحية والعقلية، التي تُمثل دافعًا وموجهًا له في العديد من الأمور، وعلى جانب آخر يبقى الدين في بعض المجتمعات الأخرى من أهم المرجعيات وأكبرها تأثيرًا وتشكيلًا للواقع الاجتماعي والسياسي، ويظل الإسلام أكثر هذه الأديان تأثيرًا داخل مجتمعاته من حيث كونه مُحدِدًا وضابطًا للكثير من المفاهيم ومُتحكّمًا في الممارسات والمسارات ومُهيمنًا على قراءة الماضي ورؤية المستقبل.

ونظرًا لذلك فإن التنظيمات الإسلامية منذ ظهورها في بدايات القرن العشرين وانطلاقًا من مرجعيتها الدينية وعبر خطابها الذي يعتمد على إثارة العاطفة أكثر من مخاطبته العقل استطاعت أن تُحدث أثرًا بالغًا في المجتمع وأن تجذب إليها من شرائحه المختلفة الكثير من المؤيدين الذين هم غالبًا بحكم طبيعتهم يؤثر فيهم هذا الخطاب أكثر من أي خطاب آخر يكون مستندًا إلى مرجعية غير دينية والذي لا يجد القبول نفسه داخل المجتمع حتى وإن كان عقلانيًّا في بعض أطروحاته وأفكاره، أو مماثلًا في مضمونه لبعض ما تطرحه تلك التنظيمات، ويتحدث مرشد الإخوان الخامس مصطفى مشهور في كتابه “التيار الإسلامي ودوره في البناء” عن هذا التأثير واستجابة المجتمع له قائلًا: (والشعب المصري كما نعلم متدين بفطرته فسرعان ما يستجيب لنداء العقيدة ) .

ومن بين مؤيدي الحركات الإسلامية من انتظم بين صفوفها وعقد معها بيعة أصبح بموجبها عضوًا بها ملتزمًا بما تفرضه عليه من مسؤوليات وواجبات، ومنهم من ظل خارج الأطر التنظيمية لكنه مؤمنٌ بأفكارها دائرًا في فلك قراراتها واقفًا في الدائرة نفسها، التي تحكمها منطلقات هذه الحركات، ولذلك فإنهم يعتبرون مثل هؤلاء الأشخاص ممن ينتمون لتيار الإسلام السياسي بمفهومه الواسع ويقول في ذلك مصطفى مشهور في  الكتاب نفسه أيضًا تحت عنوان التيار الإسلامي ما هو ( والتيار الإسلامي ليس مقصورًا على أفرادٍ بذواتهم أو على جماعة بذاتها، ولكنه يشمل كل فرد مسلم ذكرًا كان أو أنثى عرف معنى انتمائه للإسلام، وتعرّف على ما يطلبه منه إسلامه من واجبات، فدفعه ذلك إلى الحركة والعمل مع غيره من العاملين الصادقين لتحقيق مبادئ الإسلام، أيًّا كان موقع هذا الفرد ولو كان من الحزب الحاكم ).

 وتُعد هذه الشريحة غير التنظيمية داعمًا رئيسيًّا لتلك الحركات كما أنها تُمثل رافدًا أساسيًّا لها يمدها من آنٍ لآخر بأعضاء جدد، وعلى ذلك فإن أفكار التنظيمات والحركات الإسلامية لا تقتصر على أعضائها فحسب؛ لكنها في الواقع تُعبر عن شريحة كبرى من المجتمع، وفيما يخص هذه الأفكار فإنه ورغم تعدد وتنوع تلك التنظيمات والحركات الإسلامية بداية من جماعة الإخوان وما بعدها، ورغم اختلاف أسمائها وتصنيفاتها وأساليبها في العمل؛ فإنها تنطلق من قواعد فكرية واحدة وتجمعها تصورات متماثلة وتُشكّل عقليتها جملة من المفاهيم والقناعات التي ينتج عنها الكثير من الأفكار الفرعية التي ربما تعطي انطباعًا بوجود تباينات واختلافات كبيرة بين هذا التنظيم وذاك، إلاّ أنّها اختلافات ليست جذرية ولا تعبر عن تعدد المواقع الفكرية التي يقف عليها كل تنظيم بقدر ما هي تعدد في المسارات التي تستهدف ذات النتيجة في النهاية.

ومن ضمن ما يجمع تلك التنظيمات مثلًا انطلاقها من فكرة الحق المطلق الذي يرى كل تنظيم أنه يملكه دون غيره كونه هو الذي يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا لا يتوافر لدى غيره، كذلك رؤية كل تنظيم لواقع المسلمين حكامًا وشعوبًا على أنه واقع بعيدٌ كل البعد عن تعاليم وأحكام الإسلام، إضافةً إلى اشتراكهم في الهدف الذي يسعون إليه وهو إقامة دولة إسلامية عالمية، ورؤيتهم كذلك لدور الجهاد ورسالته في نشر الدعوة وكذلك صوره التي يجب القيام بها، وغير ذلك من الأفكار والمنطلقات التي تنطلق منها تلك التنظيمات، التي تختلف بعد ذلك في مدى حدة التعبير عنها وفي الآلية التي تطبقها من خلالها وفي مدى رؤيتها للوقت الذي يجب أن تتحقق فيه، ووحدة المنطلقات الفكرية هذه ربما تفسر لنا سلاسة انتقال بعض أعضاء التنظيمات من تنطيم إلى آخر سواء أكان أكثر حدة أو أقل مما كان ينتمي إليه.

وعلى الرغم من تعدد الوسائل والآليات التي تتخذها التنظيمات الإسلامية على تنوّعها التي تهدف من خلالها إلى إحكام السيطرة على أفرادها والحيلولة دون خروجهم من التنظيم و تحللهم من قيوده المفروضة عليهم؛ فإنّ تاريخ الحركات الإسلامية شاهدٌ على الكثير من حالات الانشقاق التي كانت نتيجتها خروج الكثير من أبناء التنظيمات بعد انتماء قد يدوم لسنوات، سواء كان هذا الخروج نتيجته الانضمام إلى تنظيم آخر أو الانزواء والاستقلال عن جميع التنظيمات، وسواء كان هذا الخروج مُعلنًا مصحوبًا بضجيج أو كان هادئًا لا يشعر به أحد، وسواء كان الخروج متعلقًا بقيادات بارزة أو أفراد  عاديين، والغالب في كل حالات الانشقاق هذه أنها تعود إلى أسباب تنظيمية كالخلاف على طريقة الإدارة مثلًا أو الخلاف حول الوسائل والآليات التي يمارسها التنظيم لبلوغ أهدافه أو نتيجة الخلاف حول موقف سياسي.

 ورغم أنه ظاهريًّا يُرى أن هذا الخروج بهذه الكيفية يُمثل تحولًا وتغيرًا لدى الشخص التارك للتنظيم؛ فإنّه لا يُعد كذلك برأيي حيث إنّ الخروج طالما لم يصاحبه تغيير في الأفكار فإنه يُعد دورانًا داخل دائرة مغلقة، فقط يختلف الموضع الذي يقف فيه ذلك الشخص عما كان يقف فيه سابقًا ولكنه يظل داخل الدائرة نفسها، فكما ذكرت فإنّ جميع التنظيمات والحركات الإسلامية تشرب من معين واحد وتستقي أفكارها من موروثات الفقه القديم الذي هو بحاجة وفقًا للكثير من المفكرين سواء كانوا إسلاميين أو غير ذلك إلى عملية تجديد في الكثير من المفاهيم كمفهوم الدولة والعقد الاجتماعي الذي تقوم عليه والذي على أساسه تتحدد العلاقة مع غير المسلمين، ومفهوم الخلافة والجهاد والتمكين وغير ذلك من المفاهيم، ولذلك فالتغيير الحقيقي يجب أن يتعلق بهذه المفاهيم التي تنطلق منها تلك التنظيمات وليس بالتنظيمات نفسها، وهذا ما يُميز الانشقاق التنظيمي عن الانشقاق الفكري.

فالانشقاق الفكري هو المعوّل عليه في إحداث تغيير حقيقي في المفاهيم والتصورات والقناعات يترتب عليه تغيير في الخطاب والممارسات، ومواجهة التنظيمات ومحاولات التضييق عليها لا يؤدي إلى نتائج كبيرة بقدر ما تؤدي مواجهة الأفكار بتفنيدها وتفكيكها وإعادة صياغة عقل جديد بمحددات وتصورات مختلفة إلى نتائج أكثر إيجابية واستمرارية، فهذه الأفكار لديها القدرة على إنتاج العديد والعديد من التنظيمات واحدًا بعد آخر، وقد أثبتت التجربة أنّه قد ينتهي تنظيمٌ رغم انتشاره وتأثيره في فترة من الفترات ليظهر بعده آخر  يتبنى الأفكار نفسها التي ربما يكون أشد حدة في تبنيها من سابقه.

 وقد يخرج فردٌ من تنظيم ما ثم يعود إليه مرة أخرى إن اختفت الأسباب التي تركها من خلاله بل ربما يعود إلى تنظيم آخر هو أشد حدة في التعبير عن أفكاره وفي تطبيقها من التنظيم المتروك، وقد وقعت الكثير من هذه الحالات في أوقات مختلفة فقد ترك البعض الجماعة الإسلامية في السبعينيات وانضموا إلى جماعة الإخوان، وقد ترك البعض جماعة الإخوان وانضموا لداعش مؤخرًا، وترك البعض تنظيم القاعدة وانضموا لداعش، كما انضم بعضٌ ممن ينتمون للتيار السلفي إلى جماعة الإخوان أو  لداعش، كل هذا حدث ويحدث لأنه كما قلت المنطلقات واحدة وإن لم يدرك الأفراد أنفسهم ذلك، فالتكوين الفكري والنفسي لمن تربوا داخل هذه التنظيمات ولم يقوموا بالوقوف على أفكارهم ومراجعهتا يسمح لهم الانتقال بين التنظيمات الإسلامية بسهولة .

نخلص مما سبق إلى أن الحركات الإسلامية لا تقتصر على أعضائها فقط، ولكن أفكارها التي تحتاج إلى إعادة نظر منتشرة من الناحية الواقعية داخل المجتمع، وهذه الحركات تشترك في المنطلقات وتختلف فقط في المسارات، وأن الانشقاق التنظيمي عنها لا يُمثل نتيجة إيجابية وفعّالة ولكن الانشقاق الفكري المتمثل في مراجعة أفكارها الرئيسية هو المعوّل عليه في إحداث تغيير حقيقي، وأننا بحاجة إلى مواجهة الأفكار أولًا قبل أي شيء

رابط مختصر