حنفي ولد دهاه يهاجم الصحافة

حنفي ولد دهاه يهاجم الصحافة

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 2 مايو 2019 - 8:07 مساءً
حنفي ولد دهاه يهاجم الصحافة

دور الصحافة هو أن تكون العين السحرية الباصرة، التي يرنو من خلال بؤبؤها و مآقيها ملايين المواطنين لما يتم من تسيير بلادهم و تدبير شؤونها.. هي أشبه بجهاز لكشف كذب الحكّام و المسؤولين عن إدارة المجال العام.. و هي لهم بمنزلة أجهزة الكشف الحديثة في المطارات التي تعرض المرء في راداراتها كما ولدته أمه، و إن كَسِيَ صوف الدنيا و وبرها.

غير أنه في موريتانيا ينافس الصحفيون شعراء البلاط، و ببغاوات الأمازون، و الهواتف العمومية، في تدبيج الكلام في مدح الحكّام، و في محاكاة و ترديد الخطاب السياسي الرسمي و الدفاع عنه، و في الثرثرة بمقدار ما ينثر الحاكم في بطونهم من نقود.

ما أهلك هذه البلاد غير مثقفيها و صحفييها (و العطف هنا يفيد المغايرة لأن الصحفي في موريتانيا لا يمتّ بصلة للثقافة).

في الأعوام الأولى لبسط حرية الصحافة، من طرف نظام العقيد المعقد معاوية ولد الطائع، ظهرت صحف و جرائد لناشرين و صحفيين ملتزمين، اختطوا لأنفسهم خطوط تحرير تحترم المهنة و تنحاز للوطن، و كان أغلب هؤلاء يساريين، يعصبون بطونهم دون المال الحرام (الحرام بالمعنى الأخلاقي المطلق، الذي لا يمكن تسويغه بفتوى يتنطع فيها متفيقه). بعض هؤلاء قضى نحبه عاضّاً بنواجذه على مباديء لم تقبل المساومة، و بعضهم اعتزل المهنة حين سامها كل مفلس، و آخرون طوّحوا في البلاد يبحثون فيها عن منأىً عن الأذى، و بقية لم تصمد كثيراً فقررت الاندماج في جوفة الببغاوات.

لم يصبر ولد الطائع كثيرا على هذه الحرية، التي تدق بكل حرف مسماراً في نعش حكمه، فقرر تجويع أشراف المهنة و تمييعها بأطرافها.. فألقى فيها بكل جاهل، عديم الضمير. فائل الرأي، و أصبح هؤلاء المتحكمين فيها، ذوي الحظوة و الامتياز.. أما من آثر ضميره على بطنه فليمت سغَبَاً، كما يموت العَيْر..!. و على تلك الخطى الضالة درج تلميذه ولد عبد العزيز، الذي فقأ آخر عيون الصحفي، و صلم الأخيرة من أذنيه، و حشاهما قطنأ أسود لا يميز صاحبه نهاراً من ليل..

تصوروا نذلاً مثل محمد ولد الحسن (المعلق الرياضي الفاشل) يصبح إعلاميا، يفبرك الأخبار و يفتري على المواطنين، و يملأ موقعه الذي سرق اسمه من موقعنا “تقدمي” بقصص وهمية عن ممارسة المسؤولين للجنس مع سكريتيراتهم، ثم لا يجد من السلطة إلا الدعم و المساعدة، و من النقابة غير التجاهل و التصامم.. ليبقى شره مستطيراً و شرره يتطاير كما يتطاير الريق من فمه الضليع، فقط لأنه جاسوس مدسوس في المجال الإعلامي، ألحق بـ “تقدمي” من الضرر ما لم تتمكن الدولة بوسائلها من إلحاقه به: تشويه السمعة.!

لا ينبغي للصحفي أن ينحاز لغير الوطن و الحقيقة، فضرورة دوره الطلائعي، في مراقبة المجال العمومي و التشهير بمنتهكيه، تقتضي حياداً و استقلالية.

أدرك أن الانحياز للوطن في ظل نظام كنظام الأرعن ولد عبد العزيز تقتضي معارضته بالاتفاق، حيث أن الحقيقة المطلقة ستتخذ موقفاً معارضاً بصفة مطلقة. غير أنها ستكون معارضة مبدئية و ليست براغماتية، تخدم فريقاً سياسياً على حساب آخر..

الصحفي الملتزم هو ذلك الذي لا يترك له الحق صاحباً في الحقل السياسي.. و هو المقاتل الأسطوري الذي لا يضع العصى عن عاتقه.. و المطارد الأبدي للخفافيش و الجزدان..

هالني في هذه الأيام تهافت الصحافة على دعم مرشحي الرئاسيات، و العمل في حملاتهم الانتخابية، و اتخاذ منابرهم التي يفترض لها الحياد منصات للدعاية و الترويج، تاركين جواد المهنية وحيداً يعلكُ لجامه..

إن دور الصحافة هو الانتقاد و إثراء المجال العمومي بنقاشات عميقة عن تطلعات الشعب و همومه، و عن الوعود التي يحتاجها من منتخبيه، و قدرتهم على الوفاء بها، على ضوء ماضيهم في التسيير و كفاءتهم فيه و أهليتهم له.

لم يعد هنالك نقاش عامٌ، لأن من يجب عليهم إدارته انقسموا شطرين ما بين حملة ولد غزواني و ولد بوبكر، و أصبحوا يلعبون أدوراً  ريادية في البروباغندا الانتخابية، يتطلب منهم ولاءً و انحيازاً أعمى..

المرشحون أنفسهم يحتقرون الصحافة، فهم يدعونهم لتغطية نشاطاتهم، و يوزعون عليهم الهدايا و المنح، غير أنهم لم يطلبوا منهم قط اجتماعا لتدارس مشاكل المهنة و طرق تنقيتها و تصفيتها من أعشابها البرية.. كما فعل ولد الغزواني مع مهنيي قطاع الصحة.

قد يكونون معذورين، لأن الصحفيين الممارسين للخدمة حالياً لا يريدون إصلاح المهنة.. إنهم لا يفكرون إلا في بطونهم.

رابط مختصر