ثقافة الشائعة

أضيف بتاريخ: 26 - 01 - 2018 | أضيف بواسطة: boubout | أضيف في: مقالات

Share Button

ثقافة الشائعة-محمدفال ولدعمير

إن إحدى الموروثات المؤسفة من العقود الثلاثة الماضية هو نزوع المواطن الموريتاني، مهما كان مستواه التعليمي وأصله الاجتماعي ودرجة تقواه… إلى تفضيل الشائعة على المعلومة الدقيقة. 
على مستواي، أحاول أن أجعل الناس على بينة من خطورة هذه الوضعية التي تجعل المواطن الموريتاني، اليوم، لا يفضل سماع الحقيقة؛ وإنما يحبذ سماع المغالطة. وهكذا حلت الشائعة محل الخبر الصحيح، ورسمت عقولَنا ثقافة التخمين.وعندما أقول “المواطن الموريتاني” هنا، فأعني به “ساكن انواكشوط” الذي استطاع، في نهاية المطاف، فرْض (إعادة) قراءاته للوقائع، بسبب استخدامه المفرط للأنترنت والهواتف المحمولة.
إن إحدى الموروثات المؤسفة من العقود الثلاثة الماضية هو نزوع المواطن الموريتاني، مهما كان مستواه التعليمي وأصله الاجتماعي ودرجة تقواه… إلى تفضيل الشائعة على المعلومة الدقيقة. 
على مستواي، أحاول أن أجعل الناس على بينة من خطورة هذه الوضعية التي تجعل المواطن الموريتاني، اليوم، لا يفضل سماع الحقيقة؛ وإنما يحبذ سماع المغالطة. وهكذا حلت الشائعة محل الخبر الصحيح، ورسمت عقولَنا ثقافة التخمين.

فباستخدامه للأنترنت اعتقد أنه وجد وسيطا غير قابل للتصرف، يضمن له الوصول إلى الحقيقة. فلأن علاقتنا بـ “المكتوب” كان يطبعها التقديس، اعتقدنا -في النهاية- أن ما يصلنا عبر الإنترنت هو من هذا “المكتوب” (المقدس). بينما لم يكن سوى إعادة توجيه، بوسائط معلوماتية معاصرة، لثقافة تعبيرية كانت سائدة تحت اسم “شجرة الجدال (صدرايت آسواغَ)” والتي كانت عبارة، نوعا ما، عن شجرة معدة للهذر؛ حيث كان سكان “الْمَحْصَرْ” الأقدمون يُفْرِغون تحتها منازعاتهم “شفويا”.

أما الاستخدام الواسع النطاق للهواتف النقالة، فقد جعل كل واحد منا يَعْرض عَلَنًا، وبصوت عال، ما نتعاطاه بيننا، فلم يَعُدْ موجودا بينا ذلك الإسرار والهمس والتبادل البيني. وهكذا تتلقى الرسالةَ، خطأً، آذانٌ لم تكن موجهة إليها. آذان تلتقط نُتَفًا تحتفظ بها وتجعل منها، وجوبا، قصصا لا علاقة لها، غالبا، بالحقائق الأصلية. ولأننا أصبحنا جميعا “مُسْتقبِلات عَرَضِية” لقصاصاتِ معلوماتٍ، فقد تحولنا، في النهاية، إلى منتجين للأخبار.

يضاف إلى ذلك النمو غير المتحَكم فيه لوسائل الاتصال، مثل الصحف والمواقع ومحطات الإذاعة (لا تزال التلفزيونات متأخرة عنها). وقد صاحَبَ ظهور كل واحد من هذه الوسائل نوع من الانجراف. حيث واكب انتشارَ الصحف انتشارُ ظاهرة التشهير و/أو ابتزاز من يعطي أو لا يعطي، مما أدى، في نهاية المطاف، إلى تشويه هذه المهنة. ورافقَ ظهورَ المواقع الإلكترونية، بالإضافة إلى هذه الخطيئة الأزلية، مَأْسَسَةُ ثقافة الشائعة والتخمين. أما المحطات الإذاعية، فقد اعتمدت، مباشرة، أحاديث الصالونات، إضافة إلى الخطيئتين الأزليتين اللتين ورثتهما عن الصحافة المكتوبة (الورقية والإنترنتية).

وهكذا فكلما هممت بإعطاء معلومة دقيقة أو إيراد واقعة كنت شاهدا عليها، سيكون هنالك دائما شخص يقول لك: “عجيب، آن بعد اسمعت… (عجيب ! أما أنا فقد سمعت…)”. ثم يبدأ في إعطائك نسخة مجتزأة تماما للحدث الذي وقع أمام ناظريك ولم يفُتْكَ منه أي تفصيل. وأسوأ ما في الأمر هو أنكما ستجدان نفسكما تناقشان الإصدار “الْمُعَدل” و/أو المعادَ بناؤه من الواقعة، وسينسى الشاهد الذي كنت إياه أنه كان شاهد عيان، ليجد روايته -في النهاية- مسحوقة تحت افتراضات الآخرين. وفي عالمنا اليوم يندر أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة، ويهتمون بتدقيق الوقائع. فالاتجاه العام ينحو نحو محاولة إغراق كل شيء في محيط من التقريبات والافتراضات التي تتغير، حسب المتحاورين.

يجب على المعركة، في مجتمعنا، أن تدور حول إعادة تأهيل الحقيقة. إذ أن الحقيقة قد فقدت سمعتها هنا.

ترجمة: المشري ولد الرباني

Share Button

اترك تعليقك